ابن أبي أصيبعة

355

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال : وأخبرني بعض البغداديين أنه حمل من داره إلى الخزانة من الدنانير العين ثمانمائة ألف وثلاثة عشر ألف دينار ، وبقي الأثاث والأملاك ، بما يقارب تتمة ألف ألف دينار ، فترك لولده . أقول « 1 » : ووجدت الصاحب " جمال الدين بن القفطي " « 2 » ، قد حكى من أحوال صاعد بن ثوما المذكور ما هذا نصه ، قال : " كان حكيما طبيبا " « 3 » ، حسن العلاج ، كثير الإصابة ، ميمون المعاناة في الأكثر ، له سعادة تامة في هذا الشأن ، وكان من ذوى المروءات والأمانات ، تقدم في أيام الناصر ، إلى أن كان بمنزلة الأمراء « 4 » والوزراء ، واستوثقه على حفظ أموال خواصه ، وكان يودعها عنده ورسله « 5 » في أمور خفية إلى وزرائه ، ويظهر له في كل وقت وكان حسن الوساطة ، جميل المحضر ، " أقضيت على يديه حاجات واستكفت " « 6 » بوساطته شرور ، وسالمته الأيام مدة طويلة ، ولم ير له « 7 » غير شاكر وناشر . وكان الإمام " الناصر " في آخر أيامه قد ضعف بصره ، وأدركه سهو في بعض « 8 » أوقاته ، لأحزان تواترت على قلبه ، ولما عجز عن النظر في القصص والإنهاءات ، استحضر امرأة من النساء البغداديات ، تعرف بست نسيم « 9 » وقربها ، وكانت تكتب « 10 » قريبا من خطه ، وجعلها بين يديه تكتب الأجوبة والرقاع ، وشاركها في ذلك خادم اسمه " تاج الدين رشيق " ، ثم تزايد الأمر بالناصر فصارت المرأة تكتب في الأجوبة بما تراه ، فمرة تصيب ومرة تخطئ ، ويشاركها " رشيق " في مثل ذلك . واتفق أن كتب الوزير " القمي " « 11 » المدعو بالمؤيد مطالعة « 12 » ، وعاد جوابها وفيه اختلال بين " فأنكر الوزير ذلك " « 13 » ، واستدعى بالحكيم " صاعد بن ثوما " ، وأسر إليه ما جرى ، وسأله عن تفصيل الحال ،

--> ( 1 ) ساقط في أ ، ج ، من هنا وحتى بداية ترجمة ابن المارستانية . ( 2 ) هو أبو الحسين " علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى " ، جمال الدين ، القاضي الوزير ، وزير حلب ، ولد بمصر في مدينة قفط بالصعيد سنة 560 ه ، وأقام بحلب ، ودرس اللغة العربية ، والنحو والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والنجوم والمنطق والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل . له العديد من المؤلفات ، منها : الكلام على صحيح البخاري ، والرد على النصارى وذكر مجامعهم ، وأخبار المصنفين وما صنفوه ، وأخبار السلجوقية ، وكتاب مشيخة تاج الدين الكندي ، وتاريخ النحاة ، وكانت وفاته سنة 646 ه . انظر في ترجمته : معجم الأدباء لياقوت الحموي : 15 / 175 ، فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي : 3 / 117 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 23 / 227 ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 5 / 236 . ( 3 ) في طبعة مولر : " طيبا " . ( 4 ) ساقط في طبعة مولر . ( 5 ) في طبعة مولر : " برسله " . ( 6 ) في طبعة مولر : " قضيت . . . . . واستكفيت " . ( 7 ) في ب : " ينزله " ، والمثبت من طبعة مولر . ( 8 ) في طبعة مولر : " أكثر " . ( 9 ) امرأة من ربات النفوذ والسلطان في دولة الخلافة العباسية ، وكانت جارية للناصر لدين الله . انظر في ترجمته : أعلام النساء لعمر رضا كحالة : 1 / 171 . ( 10 ) في طبعة مولر : " تكتب خطا " . ( 11 ) هو مؤيد الدين " محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي " الوزير الكاتب ، قدم بغداد وظل بها إلى أن توفى كاتب السر ابن زبادة كاتب الناصر لدين الله ، فجعل المؤيد القمي مكانه ، ثم أنابه في الوزارة ، فاشتهر وتحكم في العباد والبلاد ، حتى إذا ما مات " الناصر " جعله " الظاهر بالله " وزيرا له ، وظل في منصبه حتى نكب وسجن مع ابنه " أحمد " الذي كان سىء السمعة ومحبّا لسفك الدماء ، فظلا في سجنهما ، حتى توفيا ، وكانت وفاته سنة 630 ه . انظر في ترجمته : الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 1 / 147 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 22 / 346 . ( 12 ) في طبعة مولر : " مطالعة فحملها " . ( 13 ) في طبعة مولر : " فتوقف الوزير وأنكر ثم " .